حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )

49

شاهنامه ( الشاهنامه )

المراكب على الساحل للاستظهار . فعلم بذلك منوجهر وأشار على قارَن بالاحتيال على مستحفظ تلك القلعة لأخذها . فركب في جنح الليل مع طائفة من نخب الأجناد ، وجماعة من أعيان القوّاد . ولما قرب من الساحل أمر العسكر بالنزول ، وأظهر أنه من أصحاب سَلم . فركب على بعض المراكب وعبر إلى القلعة ، وقال للحراس : جئت في أمر مهم من حضرة الملك . وكان معه على جعله علامة بينه وبين أصحابه ، فمكن من الدخول فصعد . ولما وقعت عينه على أمير القلعة علاه بالسيف فأطار برأسه إلى الأرض . ونصب ذلك العلم على بعض شرفات القلعة . فلما رآه أصحابه ركبوا تلك المراكب في هجمة واحدة ، وعبروا إلى القلعة فدخلوها وانتهبوا جميع ما فيها ، وأخذوا في تخريبها ، فلم تغرب الشمس إلا وقد عفا أثرها ، ولم يبق منها إلا خبرها ، ورجعوا إلى الساحل ، وأحرقوا جميع المراكب ، وعادوا إلى معسكر منوجهر فاستعدوا لمحاربة سلم ومناجزته . هروب سلم وقتله بيد منوجهر فما كانت إلا ركضة واحدة تزلزلت دونها الأقدام ، وتضعضعت لها من الصفوف الأركان ، حتى هرب سلم طائرا بقوادم الانهزام إلى الساحل ليعبر على المراكب ، ويتحصن بالقلعة . فلما قرب من البحر لم يصادف إلا مركب الحمام . وذلك أن منوجهر انقض في أثره كالشهاب المرسل على العفاريت ، ولما قرب منه أهوى بصمصامه إلى كاهله وعاتقه ، ففرّق بين هامه وجسده . وتفرّقت عساكر الترك بين المخارم والشعاب لا يلتفت بعضهم على بعض ، ورفع الباقون أصواتهم بالإعوان والإرنان وطلب الأمان . فآمنهم منوجهر ، وأحسن إليهم ، وأبقى عليهم . فوضعت الحروب أوزارها ، وخمدت نيرانها . إرسال رأس سلم والغنائم إلى فريدون وعزم منوجهر على معاودة الحضرة فأمر شيروَيه بجمع الغنائم ، وما أفاء اللّه عليه من الذخائر . فرتب الفيول وحلاها بالجواهر واليواقيت والوشائع والدبابيج ، وأوقرها بأحمال الذهب والجواهر والنفائس والرغائب . ثم كرّ هو راجعا إلى أفريدون منصور الأعلام . راكبا صهوة النجاح بعد أن كان صعب المرام . حتى قرب من طبرستان وهو دار الملك ومستقر سرير السلطنة . فركب أفريدون لاستقباله في مواكبه ورجاله . فلما طلعت راياته ترجل منوجهر ، وجعل يقبل الأرض حتى قرب من الملك . فأقر عينه منه بذاك المنظر البهىّ والقالب الشاهنشهىّ ، فانكب عليه أفريدون يقبله ، ويمسح بيده غرته ووجهه . وأمر بتفريق تلك الغنائم على العساكر شكر اللّه تعالى على ما خوّله . وتواصلت البشائر والتهاني في تلك الأيام ، ونثرت الجواهر على تلك الأعلام . مقال فريدون عند موته ثم إن أفريدون لما قضى اللّه حوائجه ، وأنجح مقاصده ومآربه ، ورأى أنه قد طعن في السن سئم الحياة